الحنين إلى مبارك!
الحنين إلى مبارك!

لا أعرف ما إذا كانت أسرة الرئيس المخلوع مبارك تتحرك بحراسة؟! وإذا كانت هناك حراسة مكلفة بها فلا أعرف إن كانت حراسة تتبع الحكومة، أم من القطاع الخاص الذي يستعين به السيسي في تأمين نفسه وتأمين بعض المنشآت التابعة للدولة، كما الجامعات، وقديما كانت الصحف تناقش فكرة خصخصة الأمن، فيتم النظر إلى الفكرة على أنها تنتمي إلى "الفانتازيا"!

سواء توجد حراسة مكلفة بالأخوين أم لا، فإن حضورهما لمشاهدة مباراة لكرة القدم وسط الجماهير يعد أمرا له دلالته. ومن المعروف أنهم هناك استقبلوا بحفاوة أدهشت البعض، فإذا كان الابن الأكبر لمبارك بعيدا عن الحياة العامة، فإن "جمال" لم يكن محبوبا، ولم يسع هو ليكون واحدا من الشعب، رغم الحديث المتواتر عن توريث الحكم، وقد أحاط نفسه بفرق من الانتهازيين، الذين دفعوا الناس للترحم على زمن كمال الشاذلي، فالأخير مع كل التحفظ عليه، كان في النهاية مصريا، أما من هم حول جمال مبارك فقد بدا أنهم من المستشرقين الذين لا ينتمون إلى مصر أو إلى شعبها!

وجه خشبي، وملامح محايدة، وفيم يبدو للناظر لم يضحك أبدا، من بين الأسباب التي باعدت بين جمال مبارك والناس، وكان أول محاولة له لأن يكون قريبا منهم كانت في مباراة لكرة القدم، عندما تم افتعال أزمة مع الفريق الجزائري وتم النفخ فيها إعلاميا لهذا السبب!

وفي الظهور الأخير بدا الفتى كما لو كان يواصل المسيرة، التي بدأها في مباراة مصر والجزائر، في مصر وفي السودان، وقد اصطحب للخرطوم شقيقه أيضاً. ولم يكن هذا الظهور الأول من بعد الثورة، فقد ظهر جمال وشقيقه الأكبر أكثر من مرة، على النحو الذي أقلق السيسي فأجل إجراء الانتخابات البرلمانية، لأنه بخروج آل مبارك من السجن، ثبت أن شهية الابن الأصغر للعمل السياسي لا تزال مفتوحة، وقد عقد ذراعه الأيمن أحمد عز اجتماعا مع نواب سابقين للحزب الوطني، فهل كان "جمال مبارك" يفكر في رئاسة الحكومة عن طريق الأغلبية البرلمانية، أم كان يريد أن يدفع بأحد رجاله للمهمة وللشراكة في الحكم مع السيسي تمهيدا لأن تكون الأجواء مواتية فيضرب ضربته؟!

كانت التقارير الأمنية قد رفعت للسيسي تفيد أن قيادات الحزب الوطني في المحافظات هم أقرب إلى أحمد شفيق منهم إلى السيسي، لينمي هذا لدى قائد الانقلاب الإحساس بالخطر!

فكان القرار بتأجيل الانتخابات البرلمانية، حتى ربطت الدوائر الغربية الدفع بالاستثمارات إلى مصر بإجرائها، فصدر الحكم بإدانة مبارك ونجليه في قضية القصور الرئاسية، مما يمثل عتبة قانونية دون أن يطمع جمال مبارك في تولي أي منصب سياسي، وكان واضحا أن حكم الإدانة الوحيد ضد الثلاثي كان ردا على هذه الشهية السياسية المفتوحة، ثم كانت عملية تخليق البرلمان بإشراف المخابرات العامة، ممثلة في نجل السيسي نفسه!

لقد انشغل جمال مبارك بوضعه القانوني، فهل سيسجن، أم أن مدة العقوبة تحسب من فترة الحبس الاحتياطي، ولم يكن الأمر يحتاج إلى جدل يحسم بحكم قضائي، لكن السيسي كان يريد أن يبعده عن المشهد، إلى حين إجراء الانتخابات، ثم كان الحكم أخيراً بانقضاء فترة العقوبة، وذهب "الأخوان مبارك" ليشاهدا مباراة لكرة القدم في المدرجات، ويجدا حفاوة من قبل كثيرين من "الجمهور الحاضر"، وقد نشر أن هناك من هتفوا ضده فألقت قوات الأمن القبض عليهم، وهذا ليس موضوعنا!

هناك من فسروا هذه الحفاوة، بأنها تعني نهاية للثورة، أو استفتاء عليها، وهو فهم غير دقيق لما جرى! فالثورة هزمت بالانقلاب العسكري، وخروج آل مبارك للحياة هو تحصيل حاصل، فالانقلاب شارك فيه قادة الجيش وولاؤهم للمخلوع بمن فيهم السيسي؛ الذي اختاره مبارك مديرا للمخابرات الحربية بتزكية من المشير محمد حسين طنطاوي، وكان البديل هو إحالته للتقاعد بقرار من قائد سلاح المشاة، الذي رأى عدم صلاحيته للاستمرار، واصطفاه طنطاوي لنفسه قبل هذه الترقية!

كما أن الدولة العميقة بكل مكوناتها كانت حاضرة في الانقلاب على الثورة، ومن الحزب الوطني، إلى الشرطة، مرورا بالكنيسة، والأزهر.

فهذا الحضور لنجلي الرئيس المخلوع مع "جمهور المشجعين"، هو نتاج لخروجهم من السجن، الذي هو نتاج للانقلاب على ثورة يناير، أما الاحتفاء بهم فهو من ذات المعسكر، الذي لم يكن مع الثورة إلا نفاقا بعد نجاحها ثم انقلب عليها، وقد ظن أن السيسي هو من سيقود عجلة الإنتاج لكنه خذلهم. فهذا الفريق هو الآن كالغريق الذي يتعلق في "قشاية"!

وجمال مبارك هو هذه "القشة"، كما يعد الفريق أحمد شفيق "قشة" أيضا، ويخشى السيسي من أن يكونا القشة التي قصمت ظهر البعير!

وهذا يفسر عدم عودة شفيق من الإمارات إلى الآن رغم رفع اسمه من قوائم ترقب الوصول بحكم قضائي يفيد أنه ليس مطلوبا على ذمة أية قضية. وهو ما تنبأت به مبكرا وفي وقت كان البعض يروجون بأن شفيق في طريقه للقاهرة، وهناك من رشحه رئيساً للوزراء. وقلت لو أصبح الفريق شفيق رئيساً للوزراء وبقرار من السيسي فمعنى هذا أنه حمل على اتخاذ هذا القرار وأنه تجرع السم وأجبر على ذلك بضغط دولي أو إقليمي، أرجو أن تنسوا فكرة أن يضغط عليه الجيش!

لقد سأل محرر جريدة "التحرير" جمال مبارك ثلاث أسئلة فرد عليها ردودا مقتضبة، كان من بينها السؤال حول خوضه الانتخابات القادمة، وإن أبدى رغبة في مشاهدة المباراة، فالملاحظ أنه لم ينف، ولم يرد ردا دبلوماسيا بأن القانون يمنعه من الترشح، وكل ردود النفي بصياغتها المختلفة جائزة ومقبولة حتى وإن لم تعبر عما في صدره، لكنه ظهر كما لو كان لا يريد للذين يأخذون بظاهر الرد أن ينتهوا إلى أنه من الماضي!

قانونا لا يجوز لجمال مبارك أن يخوض الانتخابات الرئاسية القادمة، ما لم يرد إليه اعتباره، أي بعد ست سنوات من الآن، والطريقة الأخرى أن يرد إليه اعتباره بقانون من البرلمان، وإذا كانت أغلبية البرلمان هى صنيعة الأجهزة الأمنية، فقد تكون هناك ضرورة لدى هذه الأجهزة في المستقبل، لأن يكون جمال مبارك هو البديل المريح، إذا فقد السيسي قدرته على السيطرة، وخشيت هذه الأجهزة من بديل ينتمي للثورة يعصف بها وبالمكتسبات التي تحصلت عليها، وقد يرى فيه معارضوه السابقون أنه نصف العمى، ولا تنسى أن هناك اتجاها داخل حركة "كفاية" قبل الثورة صنعه اليأس من القدرة على التغيير، كان يرى جمال مبارك بديلا مدنيا، فلنتجاوز به مرحلة حكم العسكر!

اتجاهات اليأس تفتقد للإرادة الحرة، التي تملأ قلوب الثوار من الشباب بالذات والتي لا تقبل بأنصاف الحلول، أو بجمال مبارك بديلا للسيسي، فحالة الحنين لعهد مبارك هى خاصة بمن وثقوا في السيسي، وخاب أملهم فيه، لكنها ليس تعبيرا عن الثورة!

فالثورة حنينها إلى رئيس مدني كان يمكن إسقاطه عبر صناديق الانتخاب، والخلاف بين مبارك والسيسي هو خلاف في الدرجة وليس في النوع، وإن شئت فقل: خلاف بين نصف العمى والعمى كله!

فهل يغيب السيسي نصف العمى ليقتصر الصراع بين العمى والإبصار؟!

سليم عزوز - عربي 21

المصدر : البوابة نيوز